تمكين الاقتصاد الرقمي والشمول المالي عبر المحافظ الرقمية

 

 

 

 

توفيق بن محسن اللواتي **

 

في الوقت الذي تمضي فيه سلطنة عُمان بخطى واثقة نحو تحقيق مستهدفات رؤية "عُمان 2040"، تتزايد أهمية الشمول المالي بوصفه ركيزة أساسية لبناء اقتصاد متنوع ورقمي وشامل، وقادرًا على توفير فرص متكافئة للجميع، بغضِّ النظر عن الخلفية الاجتماعية أو مستوى الدخل أو طبيعة المهنة.

ويُعدّ دمج الفئات غير المخدومة ماليًا في المنظومة المالية الأوسع، عنصرًا محوريًا في هذه الرؤية، ولا سيّما فئتي المقيمين الأجانب والعمالة الفنية والمهنية ذات الدخل المحدود، واللتين تشكّلان نسبة كبيرة من القوى العاملة في السلطنة.

وتنسجم هذه الرؤية مع الجهود المتواصلة التي تبذلها عُمان لبناء اقتصاد غير نقدي، تكون فيه الأدوات الرقمية وسيلة تمكين متاحة وشفافة للجميع. غير أن الواقع يشير إلى أن شريحة واسعة من المقيمين والعمالة الوافدة لا تزال تواجه تحديات حقيقية في الوصول إلى الخدمات المالية. وهنا يبرز الدور التمكيني والتحويلي الذي تؤدّيه الخدمات المالية الرقمية، مثل "فريندي باي" Friendi Pay في ردم هذه الفجوة.

وتتسم أوساط المقيمين غير العُمانيين بدرجة عالية من التنوع والاتساع؛ إذ تضم نحو 2.43 مليون شخص في العام 2025، كما يُصنّف ما يقرب من 85% إلى 90% منهم ضمن فئة العمالة الفنية والمهنية ذات الدخل المحدود. وتعتمد هذه الفئة بشكل كبير على تحويل الأموال إلى بلدانهم الأصلية كجزء أساسي من حياتهم المالية. وبالنسبة إلى الكثيرين، لا تُعدّ التحويلات المالية مجرد مسألة راحة أو خيار إضافي؛ بل هي قضية مصيرية تُؤثّر بشكل مباشر في القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية، وتجنّب الوقوع في حلقة مفرغة من عدم الاستقرار المالي.

ورغم ذلك، يُواجه هؤلاء العمال مستويات مرتفعة من غياب أو ضعف الوصول إلى التقنيات الرقمية، وتتفاقم هذه التحديات بفعل الحواجز اللغوية، ومحدودية الوصول إلى الخدمات المصرفية التقليدية، وغيرها من التعقيدات الإجرائية التي يصعب التعامل معها في ظل ضعف الثقافة المالية. ولا تقتصر هذه التحديات على سلطنة عُمان وحدها، بل تمتد إلى دول المنطقة التي تحتضن أعدادًا كبيرة من العمالة الأجنبية. غير أنها تكتسب أهمية أكبر في السلطنة؛ حيث يشكّل المقيمون من غير المواطنين أكثر من 41% من إجمالي السكان.

 

واستجابةً لهذه التحديات، برزت "فريندي باي" كلاعب رئيسي في منظومة التكنولوجيا المالية في سلطنة عُمان؛ إذ حققت المنصة نموًا بنسبة 41% في عدد المستخدمين الجدد منذ مايو 2025، إلى جانب نمو بنسبة 328% في المدفوعات الرقمية و368% في التحويلات المالية الدولية. وتعكس هذه الأرقام قدرة "فريندي باي" على ترسيخ مكانتها كمنصة موثوقة يمكن الوصول إليها بسهولة، وتستجيب بشكل مباشر للاحتياجات المالية للعمالة ذات الدخل المحدود من الوافدين.

وتُشير هذه المؤشرات بوضوح إلى تنامي الطلب على الخدمات المالية الرقمية في السلطنة؛ حيث يتجه الأفراد بشكل متزايد إلى الحلول الرقمية لتحويل الأموال إلى أوطانهم، وسداد الفواتير، وإدارة نفقاتهم اليومية بكفاءة أكبر.

ويعود نجاح "فريندي باي" إلى التزامها بجعل الخدمات المالية في متناول الفئات التي غالبًا ما تكون خارج نطاق الأنظمة المصرفية التقليدية. فقد تم تصميم التطبيق ليكون متاحًا بسبع لغات وهي: العربية والإنجليزية والأوردو والهندية والبنغالية والتاغالوغ والمالايالام؛ بما يُسهِّل على المستخدمين التعامل معه وبناء الثقة به، بغضّ النظر عن خلفياتهم اللغوية.

وإلى جانب دعم اللغات المتعددة، ركّزت "فريندي باي" على البساطة والشفافية، من خلال توظيف واجهة استخدام سهلة وهيكل تسعير واضح وسهل الفهم. وبالنسبة إلى العديد من المستخدمين الذين لا يمتلكون خبرة سابقة في الأدوات المالية الرقمية، فإن هذا النهج المبسّط يساعد المستخدمين على تبنّي التقنيات الجديدة بسهولة وثقة.

وتتجاوز القيمة الحقيقية للخدمات المالية الرقمية الجانب المتعلق بالراحة؛ فهي تتعلق بالتمكين بالدرجة الأولى. وبالنسبة إلى العمالة الوافدة والعمالة الفنية والمهنية، يتيح التمكّن من إدارة الشؤون المالية رقميًا للمستخدمين تجنّب التغيب عن العمل لزيارة شركات الصرافة أو الوقوف في طوابير طويلة. ومن خلال "فريندي باي"، بات بإمكانهم تحويل الأموال إلى أوطانهم في أي وقت، حتى في ساعات متأخرة من الليل في الظروف الطارئة، مع الاطلاع الكامل والشفاف على الرسوم وأسعار الصرف. ويؤدي هذا المستوى من التحكم في الشؤون المالية إلى تعزيز شعورهم بالاستقلالية والاعتزاز.

ومن جهة أخرى، يعكس الاستخدام المتكرر لتطبيق "فريندي باي" حجم الثقة من قبل المستخدمين تجاه المنصة. وتدل المؤشرات الرئيسة، مثل معدلات الاستخدام المتكرر ونمو النشاط وارتفاع متوسط قيمة المعاملات، على وجود مستوى عالٍ من الثقة والاعتماد. ولا يقتصر الأمر على تحويل الأموال فحسب؛ بل يتعدّاه إلى استخدام خدمة موثوقة يعتمد عليها المستخدمون بشكل منتظم في مختلف جوانب حياتهم المالية، بدءًا من الأنشطة اليومية الروتينية، مثل استلام الرواتب الشهرية، وصولًا إلى الحالات الطارئة كالعلاج الطبي والمناسبات العائلية، مثل حفلات الزواج والمواسم والاحتفالات الخاصة.

وترسم رؤية "عُمان 2040" خريطة طريق طموحة بهدف إنشاء اقتصاد متنوع ومتقدم رقميًا. ويأتي في صميم هذه الرؤية التزام واضح بتحقيق نمو شامل يضمن حصول جميع فئات المجتمع، بغضّ النظر عن مستويات الدخل أو الخلفيات الاجتماعية، على الأدوات الرقمية والخدمات المالية التي تمكّنهم من المشاركة الفاعلة في الاقتصاد.

وفي هذا السياق، يندرج دور "فريندي باي" ضمن المنظومة المالية الأوسع في السلطنة. فالمنصة لا تنافس المؤسسات المالية التقليدية؛ بل تعمل كطبقة توزيع رقمية تتكامل معها من خلال شراكات مع بنوك محلية، مثل: بنك مسقط وبنك صحار والبنك الوطني العُماني، إلى جانب عدد من شركات الصرافة، مثل "جلوبال موني" و"يونيموني" و"لولو" للصرافة. ومن خلال هذا التعاون، تُسهم "فريندي باي" في توسيع نطاق الوصول إلى الخدمات المالية للفئات غير المخدومة من المقيمين والعمالة ذات الدخل المحدود، وتؤدي دورًا محوريًا في تعزيز التحول الرقمي ودعم توجهات البنك المركزي العُماني نحو بناء اقتصاد غير نقدي.

** الرئيس التنفيذي لشركة "فريندي باي"

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z